الفيض الكاشاني
345
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
إلى إدخال أعظم سرور على إبليس الَّذي هو أعدى أعدائك لأنّه لمّا رآك محروما من نعمة العلم والورع والجاه والمال الَّذي اختصّ به عدوّك عنك خاف أن تحبّ ذلك له فتشاركه في الثواب بسبب المحبّة ، لأنّ من أحبّ الخير للمسلمين كان شريكا في الخير ومن فاته اللَّحاق بدرجة الأكابر في الدّين لم يفته ثواب الحبّ لهم مهما أحبّ ذلك فخاف إبليس أن تحبّ ما أنعم اللَّه به على عبده من صلاح دينه ودنياه فتفوز بثواب الحبّ فبغّضه إليك حتّى لا تلحقه بحبّك كما لم تلحقه بعملك ، وقد قال أعرابيّ للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الرّجل يحبّ القوم ولما يلحق بهم ؟ فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : هو مع من أحبّ » ( 1 ) . وقام أعرابيّ ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يخطب فقال : متى الساعة ؟ فقال : ما أعددت لها ؟ فقال : ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أنّي أحبّ اللَّه ورسوله ، فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أنت مع من أحببت » ( 2 ) قال الرّاوي : فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ . إشارة إلى أنّ أكثر ثقتهم كان بحبّ اللَّه ورسوله ( 3 ) . وقال أبو موسى قلت : يا رسول اللَّه الرّجل يحبّ المصلَّين ولا يصلَّي ويحبّ الصوّام ولا يصوم - حتّى عدّ أشياء - فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « هو مع من أحبّ » ( 4 ) . وقيل : إن لم تكن عالما ولا متعلَّما فكن محبّا وإلا فلا تبغضهم . فانظر الآن كيف حسدك إبليس ففوّت عليك ثواب الحبّ ثمّ لم يقنع به حتّى بغّضه إليك وحملك على الكراهة حتّى أثمت ، فكيف لا ؟ وعساك أن تحاسد رجلا من أهل العلم وتحبّ أن يخطئ في دين اللَّه وينكشف خطاؤه ليفتضح ، وتحبّ أن يخرس لسانه حتّى لا يتكلَّم أو يمرض حتّى لا يعلم ولا يتعلَّم ، وأيّ إثم يزيد على ذلك ، فليتك إذا فاتك اللَّحاق به واغتممت بسببه سلمت من الإثم
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 43 من حديث ابن مسعود . ( 2 ) أخرجه البخاري ج 8 ص 49 من حديث أنس ، ومسلم ج 8 ص 42 . ( 3 ) في الاحياء « أن أكبر بغيتهم كانت حب اللَّه ورسوله » . ( 4 ) متفق عليه كما مر .